المواصفات القياسية.. سبيل تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)

راشد عيسى

0 25
اعلان المتجر

يكاد يكون هنالك إجماع بين مختلف دول العالم على أهمية حل القضايا والمشاكل المصيرية التي تواجه كوكبنا الأزرق والتي من الممكن أن تجعل حياتنا نحن البشر على “مهب الريح” كتلكم القضايا المتعلقة بتوفير مصادر طاقة نظيفة بديلة عن الوقود الأحفوري غير المتجدد والآخذ في النضوب، أو تلكم القضايا المتعلقة بالتلوث البيئي والتغير المناخي، فلا قارة أو دولة أو حزب أو قبيلة أو ديانة من سكان كوكبنا الأزرق معنية وحدها بالتصدي لهذه المشاكل، فكلنا معنيون وكلنا مستهدفون.

قد تستيقظ فجر يومٍ من الأيام وأنت تتصبب عرقاً وتشعر بحرارة الجو في غرفتك وتكتشف بأن المكيف المثبت في الجدار لا يعمل، ومن ثم تحاول النهوض من سريرك ولكنك لا تستطيع فالإضاءة لا تعمل، ومع ذلك تخرج من الغرفة باستخدام إضاءة هاتفك الذكي لكي تتجه لدورة المياه لتفتح صنبور الماء فلا تجد أي قطرة ماء تسقط منه، فتشعر بالهلع لوهلة، ثم تنظر إلى شاشة هاتفك الذكي فتجده مفصولاً عن شبكة الاتصالات!

نعم.. هذا هو السيناريو المتوقع حدوثه في حال نضوب مصادر الطاقة التقليدية التي تفرط في استخدامها جميع دول العالم وبشكل أساسي في توليد الكهرباء المستخدمة للمنازل أو محطات تحلية وضخ المياه أو استخدامها في توليد ودعم الموجات اللاسلكية لشبكات الهواتف الذكية كموجات (3جي أو 4جي أو 5جي).

وسيرجع العالم للوراء عقود كثيرة؛ فتسود المجاعة ويتراجع معدل عمر الإنسان بشكل مخيف، مع تراجع مستوى الرعاية الصحية وانعدام تصنيع الأدوية واللقاحات، وكذلك تداعي الوضع الأمني في مختلف بقاع العالم، فلا كاميرات ولا نظام أمني يعمل بعد الآن… حتى التنقل بمفهومه الحالي سينتهي للأبد، ويصبح التنقل من مدينة إلى أخرى صعبًا جداً، ناهيك عن موت الملايين في البلدان الحارة والجافة بسبب ندرة المياه واستحالة العيش في ظل درجات الحرارة المرتفعة!!

ومع ذلك يبقى الأمل! فجميع الدول وقادتها على علم بقضايا القرن الواحد والعشرين، فلن نصل إلى التوقع أعلاه إذا تضافرت جهود دول العالم قاطبة لمعالجة القضايا التي تهدد مستقبل الحياة على كوكبنا الأزرق، وفق المبادئ التي استندت عليها منظمة الأمم المتحدة كأهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي اعتمدتها جميع دول الأمم المتحدة عام 2015م والبالغ عددها 17 هدفاً لحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالازدهار بحلول عام 2030م، وتأتي في مقدمة هذه الأهداف: تحقيق طاقة نظيفة وبأسعار معقولة (الهدف 7) ، وكذلك بناء مدن ومجتمعات محلية مستدامة (الهدف 11)، وكذلك تحقيق الاستهلاك والإنتاج المسؤولان (الهدف 12).

ناهيك عن الاتفاقيات التي تمت برعاية منظمة الأمم المتحدة كاتفاقية كيغالي وتعديلاتها الرامية إلى خفض الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري (Global Warming)، أو بروتوكول مونتريال الرامي إلى التخلص من المواد المسببة لظاهرة ثقب الأوزون (Ozone Depletion)، وغيرها الكثير من المبادرات والمشاريع والاتفاقيات كمشروع تطوير الكربون المنخفض للمجتمعات المتكيفة (ClimaSouth) مع المناخ الممول من قبل الإتحاد الأوروبي.

إذاً، رصدت الدول على اختلاف حجمها الإطار العام لضمان الاستدامة وتحسين الوضع البيئي في كوكبنا، كما ربطت منظمات كبرى أهدافها واستراتيجياتها لتتوائم مع أهداف التنمية المستدامة، مع معالجة وتقنين أبرز الحلول المطروحة على الساحة كتعزيز كفاءة الطاقة أو استخدام مصادر الطاقة النظيفة والمستدامة وكذلك التحول إلى المدن الذكية والاقتصاد الدائري والتنقل المستدام.

وتتولى الجهات الرسمية الحكومية وشبه الحكومية والقطاعات الأهلية والمصانع ومقدمي الخدمات تنفيذ الإطار العام المرسوم من قبل السلطات العليا في الدول المختلفة كأهداف التنمية المستدامة متى ما تمت ترجمتها على شكل قوانين ولوائح تطبقها الشركات والمصانع والجهات المختلفة، لتحقيق الاستدامة وتحسين الوضع البيئي.

وهنا يكمن الدور الأساسي للمواصفات القياسية من خلال أجهزة التقييس الوطنية التي تعتبر أداة رئيسية ترسم وتترجم السياسات العريضة للاستدامة وحماية البيئة كأهداف التنمية المستدامة إلى لوائح فنية ومواصفات قياسية ونظم وأدلة عمل فنية واسترشادية تساعد كلاً من المصنعين والمنتجين والمستهلكين على تحقيق وتنفيذ أهداف تلك السياسات.

ولا يخفى على الكثيرين التوجهات الحديثة التي تعمل عليها أجهزة التقييس والاعتماد الدولية، فقد اعتمدت كلاً من منظمة التقييس الدولية (ISO) والهيئة الدولية الكهروتقنية (IEC) والاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) شعار الاحتفال باليوم العالمي للمواصفات 2021م بعنوان (المواصفات لأهداف التنمية المستدامة – رؤية مشتركة لعالم أفضل)،  كما كان شعار أنشطة اليوم العالمي للاعتماد 2021م يتمركز حول دور أنشطة الاعتماد في “دعم أهداف التنمية المستدامة” وذلك باعتماد كلاً من المنتدى الدولي للاعتماد (IAF) والاتحاد الدولي لاعتماد المختبرات  (ILAC).

ويمكن ملاحظة التحول السريع والتعامل الإيجابي من قبل منظمة التقييس الدولية (ISO) مع أهداف التنمية المستدامة، فقد تم ربط المواصفات القياسية التي تصدرها المنظمة مع أهداف التنمية المستدامة بشكل فعلي وتحديد الأهداف التي تحققها كل مواصفة! ناهيك عن التفاعل الإيجابي مع مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP26) المزمع عقده في نوفمبر القادم من هذا العام عبر إصدار مجموعة جديدة من الحلول (مجموعة جديدة من المواصفات القياسية) لمجابهة التغير المناخي ومعالجة أزمة تدوير النفايات.

من هنا يتحتم على أجهزة التقييس الخليجية العمل على إعداد المواصفات القياسية واللوائح الفنية التي تتماشى وتنسجم مع التوجهات والنظم الحديثة، والسير ضمن الإطار العام لأهداف التنمية المستدامة، مع ضرورة التسويق الفعلي لهذا التوجه، وتوضيح الأهداف التي قد تتحقق نتيجة لتطبيقنا لهذه المواصفات وهذه النظم. وعلى سبيل المثال يجب أن يكون واضحاً وبشكل كبير لكلٍ من المستهلك أو المورد أو المصنع أن منصة كفاءة الطاقة الخليجية المطبقة في كل من مملكة البحرين وسلطنة عمان على أجهزة التكييف تساهم بشكل مباشر في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها دول مجلس التعاون بحيث تساهم في تعزيز استخدام المكيفات الموفرة للطاقة، كما تساهم في حفظ الموارد وتقليل البصمة الكربونية لمنتجات أجهزة التكييف عبر الحد من التلوث البيئي الناتج عن استهلاك المكيفات الرديئة للكهرباء المنزلية.

وفي الختام، لابد أن نضع نصب أعيننا مخرجات التقييس التي تساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة لما لها من الأثر البالغ في تحقيق المصالح العليا لدول مجلس التعاون، داعياً المولى عز وجل أن يحفظ خليجنا قادةً وشعوباً، وأن يمن علينا الآمن والأمان المستدام.

*أخصائي مطابقة – هيئة التقييس لدول مجلس التعاون

اعلان المتجر
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.