البنية التحتية للنظام الوطني للمترولوجيا

د. تماضر صالح سعيد

عندما فكر الإنسان في وضع أسس للحضارة بدأ في وضع مرجعية في المجالات المختلفة وذلك لأهميتها لبقاء ونمو وتطور حضارته. لذا اتجه في مجال العلم والتكنولوجيا إلى ربط الأداء في الإنتاج والإنشاءات والبحث بمرجعيات القياس للكميات الطبيعية. ولتحقيق ذلك كان لابد من إيجاد تعريف محدد والاتفاق عليه ليكون نظاماً موحداً للوحدات الأساسية لتلك الكميات، وهو ما يُعرف بالنظام الدولي للوحدات.

وكما هو معلوم فإن علم القياس يشمل ثلاث عمليات علمية هي تعريف، وتحقيق وحدات القياس، ومن ثم استحداث المراحل التسلسلية لتوثيق دقة القياس والتي تُعرف بالإسناد المترولوجي الذي أصبح هو المرجعية في عملية القياس حيث إنه يستلزم تحقيق سلسلة متصلة من المُعايرات المسندة إلى المرجعيات كما حددته المراجع الدولية المعتمدة. مما يعني ربط القياسات الميدانية التي تجري في مجالٍ ما بإمام القياس الأولي (Primary Standard)  والذي حُدد من قِبل المكتب الدولي للأوزان والمقاييس.

في ظل نظام المترولوجيا يجب مراعاة رصد المبادئ العامة والإجراءات المترولوجية الإدارية والفنية مثل السلسلة المترولوجية وحسابات الارتياب، مع الأخذ بعين الاعتبار انسجام نطاق القياس المعمول به وإمكانياته جنباً إلى جنب وإمكانيات نظام المترولوجيا ككل مع الاحتياجات الاقتصادية والمجتمعية في ذلك البلد.

إن تطّور علم القياس في الدولة هو أبرز دليل على مدى تطورها في كافة المجالات الأخرى، كما أن نظام القياس والمعايرة السليم المرتبط بالنُظم العالمية هو الوسيلة الأساسية للحصول على الاعتراف الدولي والقدرة على المنافسة في مجالات الصناعة والتجارة واستقطاب المستثمرين، كما يسهم في إزالة العوائق الفنية، وتسهيل التجارة البينية، وضمان العدالة في التعامل التجاري، وتحسين جودة المنتجات، وحماية صحة وسلامة أفراد المجتمع.

تتكون عناصر البنية التحتية للنظام الوطني للمترولوجيا من المكونات التالية:

  1. النظام الحكومي اللازم لسن التشريعات وتوفير الموارد المالية اللازمة.

لدى معظم بلدان العالم قوانين ولوائح معينة تتعلق بالمترولوجيا، ومع ذلك، فإن العالم يتغير باستمرار، لذا فإن احتياجات البلدان ومتطلبات المترولوجيا تتغير تبعاً لذلك. ويتركز دور الحكومة على ما يلي:

– إنشاء التشريعات القانونية للمترولوجيا.

– المحافظة على مؤسسات المترولوجيا الوطنية.

– تشجيع ودعم التفاعل بين مكونات البنية التحتية للجودة.

– التفاعل مع منظمات التقييس الإقليمية والدولية.

– توفير الموارد الضرورية.

  1. المعاهد الوطنية للمترولوجيا (NMIs)

في العديد من البلدان توجد جهة وطنية تسمى المعهد الوطني للمترولوجيا أو أي اسم أخر تكون مهامه ما يلي:

  • المحافظة على معايير القياس الوطنية.

التأكد من إسناديتها للنظام الدولي للقياس ((SI أو إلى رتبة أعلى من المواد المرجعية ذات الشهادة (تستخدم المواد المرجعية ذات الشهادة في مجالات تركيب المواد للتحقق من طرق القياس التحليلية).

 

  • توفير المعايرة للمعايير ذات المستوى الأدنى (المعايير الثانوية).
  • تقديم المشورة والتعاون مع الحكومة والعملاء.
  • التعاون مع منظمات التقييس الإقليمية والدولية.
  • عقد البحوث في مجال المترولوجيا (إن أمكن).

يجب على معاهد المترولوجيا الوطنية (NMIs) الناشئة بناء الكفاءة وخلق الثقة في عملها لتلبية احتياجات عملائها الحاليين وجلب عملاء جدد. ويجب تنفيذ هذا العمل بمهنية عالية وفقاً لممارسات المختبر الجيدة. ويحظى تأهيل وتحفيز الموظفين بأولوية عالية، ويجب أن يكون الهدف النهائي هو الاعتراف الدولي بقدرات القياس والمعايرة لمعاهد المترولوجيا الوطنية (NMIs).

ويتم تحقيق الاعتراف المتبادل بين المعاهد الوطنية للمترولوجيا المشاركة في برامج الاعتراف الدولي CIPM-MRA بتحقيق المعايير التالية:

  • من خلال أنظمة جودة والتي تحكم عملية تقديم الخدمة مثل ISO17025:2017))، ISOGuide34
  • من خلال إمكانيات القياس والمعايرة (CMCs) والمنشورة في موقع BIPM.
  1. مكاتب التحقق

مكاتب التحقق (وتسمى أيضا مكاتب الأوزان والمقاييس أو ما شابه ذلك) هي مؤسسات المترولوجيا القانونية. والهدف من المترولوجيا القانونية هو ضمان استخدام الأوزان والمقاييس بشكل صحيح في التجارة وفي القطاعات الأخرى ذات المصلحة العامة مثل الصحة والسلامة وحماية البيئة. ويعتبر تنفيذ اللوائح المهمة الرئيسية لمكاتب التحقق، ويمكن تحديد مجال عمل الجهات المعينة بنشاط محدد، إذا لزم الأمر، والتي يمكن أن تشمل:

– الموافقة على اختبارات إقرار النوع واختبارات المطابقة لأجهزة القياس.

– التحقق من أجهزة القياس.

– مراقبة السوق والإشراف المترولوجي.

– فحص المحتوى الصافي وبطاقات البيان للعبوات المعبأة مسبقاً.

– التعاون مع منظمات المترولوجيا القانونية الإقليمية والدولية.

  1. المعاهد المعينة

يمكن لمختبرات الجامعات والوزارات والمستشفيات ومقدمي المرافق الخدمية ومعاهد البحوث والاختبارات معايرة معداتها باستخدام معاييرها الخاصة أو قد تستخدم وسائل أخرى (مثل اختبارات الكفاءة) لضمان دقة نتائجها ومواءمتها. وإذا كان معيار هذا المختبر يصل إلى المستوى الدولي، فيمكن عندئذ تعيين المختبر كمعهد معين من قبل الحكومة أو من قبل سلطة وطنية أخرى مناسبة، أو من قبل معهد القياس الوطني (NMI) نفسه عندما يُخول للقيام بذلك. وسيكون المعهد المعين مسؤولاً عن المحافظة على هذا المعيار كمعيار وطني وذلك من أجل نشر السلسلة لمعايير القياس. ويجب أن تتوافق المعاهد المعينة مع نفس المتطلبات في المعاهد الوطنية للمترولوجيا (NMIs) المتعلقة بنظم إدارة الجودة، واختبارات الكفاءة وقياسات المقارنة.

  1. مختبرات المعايرة

تشغل المعاهد الوطنية للمترولوجيا (NMIs) والمعاهد المعينة أعلى مستوى في التسلسل الهرمي للمعايرة وهي مكلفة رسمياً بالمُعايرات، فيما تكون مستوى مختبرات المعايرة تحت مستوى هذه الجهات. وعلى النقيض من التحقق، فإن معايرة أجهزة القياس-في بعض البلدان- ليس بالأمر الإلزامي وفقاً للتشريعات، وإنما تتم وفقاً لطلب مالك أو مستخدم أجهزة القياس من أجل ضمان موثوقية القياسات.

وتوجد أنواع مختلفة من مختبرات المعايرة:

– مختبرات معايرة متخصصة تتبع للقطاع الخاص.

– مختبرات معايرة داخل الشركات التي تعمل إما بشكل حصري لمصالحها الخاصة أو تعمل كذلك لأطراف ثالثة بناء على طلبها.

– مختبرات المعايرة التابعة للجامعات والمراكز البحثية.

– مؤسسات المترولوجيا القانونية، إذا كانت مؤهلة ومخولة لأداء المُعايرات.

تنطوي المعايرة على مقارنة بيان جهاز القياس مع معيار القياس (المرجع) الذي يتسم بأداء مترولوجي كاف (دقة أفضل / ارتياب أصغر). والنتيجة هي بيان كمي بشأن انحراف جهاز القياس عن المعيار وعن المدى المتوقع فيه القياس باحتمال معين، وهو ما يعرف بالارتياب. ويعود الارتياب إلى عوامل مختلفة (مثل بيئة المعايرة وطريقة المعايرة والمشّغل) ويجب تقديرها وتوثيقها. ويمكن أن يعتمد قبول شهادات المعايرة من قبل أطراف ثالثة على متطلبات الجودة المحددة بالمواصفات القياسية الوطنية والدولية. كما أن المعايرة -في بعض البلدان- ليست إلزامية، على النقيض من التحقق الذي يعتبر إلزامياً.

يجب أن تكون إمكانيات المعايرة المتوفرة لدى هذه المختبرات معلنٌ عنها ومدعومة بخبرات المعهد الوطني للمترولوجيا، ويجب أن تكون هذه المختبرات منفتحة الفكر ومستعدة لاغتنام الفرص وتقديم خدمات المعايرة.

جميع البلدان التي تقوم على اقتصاد قوي هي أعضاء في اتفاقية المتر والمنظمة العالمية للمترولوجيا القانونية (OIML). وفي إطار هذين التنظيمين، استطاعت هذه البلدان وضع قواعد وتوصيات لتلبية احتياجاتها وفقاً للتكنولوجيا الحديثة والمتطورة. إلا أن التحدي الذي يواجه البلدان الأخرى غير الأعضاء يتمثل في تطوير نظام للمترولوجيا يكون في متناول اليد ويستجيب أساساً لاحتياجاتها الأكثر إلحاحاً وأهمية.

كما ويجب الأخذ في الاعتبار “الاحتياجات المترولوجية” في بلد معين ومدى تأثيرها اقتصادياً ومجتمعياً عليه. وبما أن “الاحتياجات المترولوجية” تُعد حقل اختصاص خبراء المترولوجيا، إلا أن الأثر الناتج عن هذه “الاحتياجات” يشمل المتأثرين من تطبيقات علم المترولوجيا وتحديداً في المناطق الخاضعة لتنظيم الأعمال المترولوجية أو ما يعرف (بالمترولوجيا القانونية). هذا ويتعين على الخبراء من كلا الجانبين التعاون معاً لتطوير واستدامة نظام المترولوجيا الوطني وعناصره بنجاح.

* دكتوراه في الفيزياء التطبيقية (مترولوجيا القياسات الكهربائية)/ فيزيائية وخبيرة في المترولوجيا.

تماضر صالح
Comments (0)
Add Comment