المترولوجيا والتقييس.. النشأة والتشريع

د. جواهر التويتي *

إنَّ أعرق المقاييس التي وجدها الإنسان هي تلك التي لها علاقة بالأوزان والأبعاد لأنها تتعلق بأمور أساسية لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات أو الحضارات القديمة والحديثة.

وقد بدأ التقييس محصوراً في مجالات الأوزان والأبعاد والحجوم لتنظيم المعاملات اليومية في مجالات الزراعة والتجارة والبناء وبعض الحرف اليدوية المحدودة، واقتحم مجال الصناعة في تطور جذري، بل امتد أيضاً إلى مجال الخدمات كالاتصال والمواصلات والخدمات الإلكترونية وغيرها وأثّر على المجالات التعليمية والثقافية والاجتماعية والإعلامية.

ويعتبر التقييس أحد العلوم التي وضعت القواعد والنظم، والإنسان كجزء من هذه الحياة يخضع لهذه القواعد والنظم فهو لا يستطيع إدراك الأشياء إلا في علاقات ثابتة ومحددة مع بعضها البعض. فالتقييس مطلب لتنظيم التفاهم بين البشر والوصول إلى لغة معينة من اللغات التي تعاملت بها البشرية. وليس القصد باللغات الرموز المنطوقة والمكتوبة فقط، بل هي أكثر تعقيداً من ذلك، فمن التبادل للسلع والأمتعة وصلنا إلى العملات الورقية، والحوالات البنكية وبطاقات الائتمان، ومن استخدام أعضاء الجسم كالذراع والقدم والإصبع كوحدات قياس إلى استخدام الأمواج الضوئية والليزر للتعبير عن الأبعاد، والمؤشرات الإلكترونية للتعبير من وحدات الوزن.

النشأة والتطور التاريخي لمفهوم التقييس

ظهر التقييس مصاحباً للبشرية منذ نشأتها الأولى فهو يعبر عن حاجة من الحاجات الأساسية لكل مجتمع بشري، ويتطور بصورة مستمرة نتيجة لتطور المجتمعات. فالتوحيد والنظام والتحديد والتبسيط هي من السنن الكونية والتي تعلم منها الإنسان ليتماشى مع التقييس.

وقد مر التقييس بعدة قفزات، حيث تمثلت القفزة الأولى في أول محاولات الإنسان في التقييس بميدان اللغات وذلك بالاتفاق على قواعد معينة للأصوات بإكسابها معنىً محدداً للتمكن من التفاهم.

أما القفزة الثانية فقد كانت في قواعد الكتابة من خلال تحديد رموز معينة تدل على معنى محدد. وتمثلت القفزة الثالثة بالمقاييس التي أوجدها الإنسان والتي لها علاقة بالأوزان والأبعاد لأنها تتعلق بأمور أساسية في الحياة اليومية من الحاجة للتبادل للسلع والمواد والمقايضة.

وفي التطورات المعاصرة ونتيجة لاكتشاف الآلة، وانتقال الصناعة من النظام الحرفي إلى النظام الإنتاجي المستمر ومن الإنتاج بالقطعة إلى الإنتاج بالجملة، حيث لم تعد الصلة بين المستهلك والمنتج مباشرة، وانتفاء الحاجة إلى وجود تجمعات للمستهلكين والمنتجين، تحاول أن تضع رغبات غالبية المستهلكين في مواصفات عامة موحدة حتى يسترشد بها المنتجون فلا ينتجون ما لا يباع. وقد أدى توحيد نظام القياس وتجديد حدود التفاوتات وأساليب المعايرة إلى تيسير التبادلية بين قطع الغيار للمنتجات والأجهزة أو الآلات والتي أصبحت من الأسس الراسخة لتطور الصناعة بمفهومها الحديث. فبالتقييس أصبح هناك مفهوم واحد لأي وحدة تذكر، فعندما تذكر المسافة الفاصلة بين نجمين أو كونين في أعماق الكون يكون المفهوم لدى الإنسان في أدنى أو أقصى الأرض هو واحد ولا يحمل أكثر من معنى، وقس على ذلك كل شيء.

مصطلحات التقييس

لم يتم التوصل لمصطلح التقييس دفعة واحدة بل تدرجت بعدة مصطلحات وصولاً إلى التقييس الحديث والبنية التحتية للجودة (Quality Infrastructure) والتي ابتدأت بمصطلح “التوحيد القياسي” الذي تضمنه الاسم السابق للهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة “الهيئة العامة المصرية للتوحيد القياسي وضبط جودة الإنتاج” والتي صدر القرار الجمهوري رقم 83 لسنة 2005 بتعديل مسماها إلى الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة (EOS).

وانتقل التقييس إلى حقبة جديدة فاستخدم المصطلح “المواصفات والمقاييس” والذي تسمى بها اليوم الكثير من الهيئات المعنية بالمواصفات والمقاييس كما في “الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة (SASO)” ، و “الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة (YSMO)” وغيرها ، إلا أن هذا المصطلح ما زال قاصراً في التعبير على المواصفات القياسية والمقاييس (المترولوجيا) ولم يشمل كل مكونات البنية التحتية للجودة.

ونظراً لحيوية اللغة العربية ومرونتها ففي حقبة السبعينات استخدام مصطلح التقييس (Standardization) باللغة الانجليزية والذي يقابله باللغة الفرنسية (Normalization)، وهو مشتق لغوياً من فعل (قَاسَ) وهو يعني تقدير الشيء أو معرفة قيمته مقارنته بمثيله. والذي أصبح كثيراً ما يعرف بالتقييس أو التقييس الحديث وسميت على إثره المنظمة الدولية للتقييس (ISO) وبعض أجهزة التقييس الإقليمية والوطنية في بعض البلدان العربية مثل “هيئة التقييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GSO)”، و “الجهاز المركزي العراقي للتقييس والسيطرة النوعية (COSQC)”، و “المعهد المغربي للتقييس (IMANOR)”.

مفهوم التقييس وتطبيقاته

هو عملية وضع وتطبيق قواعد تنظيم نشاط معين لصالح جميع الأطراف المعنية وعلى الأخص لتحقيق الاقتصاد الإجمالي الأمثل مع الأخذ في الاعتبار ظروف الأداء واعتبارات السلامة.

وتتضح مرونة التعريف للتقييس فهو لا يشمل عملية وضع القواعد والنظم فحسب بل تطبيقها أيضاً وهذه القواعد لا تغطي الصناعة والزراعة فحسب بل أنها تمتد إلى كل نشاط بشري يمكن تنظيمه بتعاون جميع الأطراف المعنية.

ويطبق التقييس لتحديد وتوحيد وحدات القياس والمصطلحات والرموز، ووضع مواصفات السلع وطرق الاختبار، ووضع أنظمة الجودة وقواعد منح علامات وشهادات المطابقة.

نشأة المنظمات الدولية في التقييس واللجان الفنية

خلال مراحل النشأة للتقييس نشأت العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية والعربية والإقليمية المختصة بالتشريعات الدولية. وقد أنشئت المنظمة الدولية للتقييس (ISO) في عام 1947 والتي تُعنى بإصدار المواصفات القياسية الدولية في جميع المجالات ماعد الكهرباء والإلكترونيات، والتي تختص بها اللجنة الدولية الكهروتقنية (IEC) التي أنشئت عام 1906. وفي مجال المترولوجيا تم إنشاء المنظمة الدولية للمترولوجيا القانونية (OIML) عام 1955، وهي منظمة حكومية دولية تم إنشاؤها بهدف تعزيز التنسيق العالمي لإجراءات المترولوجيا القانونية التي تدعم وتسهل التجارة الدولية.

وعلى المستوى العربي أنشئت المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين (AIDMO) عام 1988، نتيجة دمج كل من المنظمة العربية للثروة المعدنية، و المنظمة العربية للمواصفات والمقاييس.

كما أنشئت هيئة التقييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GSO) كهيئة إقليمية بقرار من المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الـ 22 بمدينة مسقط، 30-31 ديسمبر 2001.

وتتم العملية التشريعية للمواصفات واللوائح الفنية على المستوى الدولي أو الإقليمي أو الوطني من خلال اللجان الفنية (Technical Committees). فعلى سبيل المثال اللجان الفنية  ISO/TC12، ISO/TC35،ISO/TC19  لدى منظمة الآيزو والتي تعنى بالمترولوجيا، وعلى المستوى الإقليمي اللجان الفنية الخليجية لمواصفات المترولوجيا والأجهزة والمستلزمات الطبية في هيئة التقييس الخليجية  GSO/TC4،GSO/TC11.

آلية التشريع

تمر مرحلة التشريع والاعتماد للمواصفة على جميع المستويات الدولية والإقليمية والوطنية غالباً بذات المراحل من حيث التسلسل ابتداء بدراسة الاحتياج والاقتراح وحتى الاعتماد والمراجعة والتي نمثلها بصورة مبسطة عبر المراحل الموضحة:

مرحلة الاقتراح Proposal stage
مرحلة الإعداد Drafting stage
مرحلة الدراسة في اللجنة Committee stage
مرحلة الاستعلام Enquiry stage
مرحلة الاعتماد Approval stage
مرحلة النشر Publication stage
مرحلة المراجعة Review stage

إن مرحلة إبداء الملاحظات على بنود المواصفة وعلى المواصفة ككل هي مسؤولية مشتركة بين الجهة التشريعية سواء كانت دولية أو إقليمية أو محلية أو وطنية والجهات ذات العلاقة والتي سيتم ذكرها في الفقرة التالية.

الأطراف المعنية في التشريع

هي الأطراف التي يمكنها الاستفادة من المواصفات القياسية الاختيارية والمعدة من خلال التوافق، وكذلك الأطراف التي ترى أن وجود المواصفات القياسية ومحتواها ضروري وهام بالنسبة لهم.

  • القطاع الخاص، مثل: المُصنعين، التجار، محلات التجزئة، المستوردين، المصدرين مقدمي الخدمات والاتحادات الصناعية والتجارية والصناعات الاستخراجية والزراعية والسمكية وغيرها، وكذا المشروعات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص له احتياجاته الخاصة.
  • المهنيون والأكاديميون بما في ذلك الاستشاريين والأساتذة والمدرسين والباحثين في الجامعات الفنية ومعاهد الأبحاث والمعامل.
  • المستهلكون وجمعيات حماية المستهلك.
  • القطاع الحكومي، مثل: الوزارات، الهيئات الرقابية، المرافق، الصناعات التابعة للقطاع العام.
  • المؤسسات الخدمية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات المالية (البنوك وشركات التأمين) المهتمة بالتقييس كوسيلة تساعدهم في تحقيق أهدافهم المجتمعية أو المالية.

ولهذه الأطراف جميعها الحق في إبداء رأيها والمشاركة الفاعلة في بناء المواصفات وبالأخص على الصعيد الوطني والمحلي والاستفادة من التعاون مع المنظمات والمؤسسات على المستويات الدولية والعربية والإقليمية.

وختاماً، ستبقى هناك ضرورة للبحث الدائم عن مصطلح جامع لمواكبة التطورات التي يتجه إليها العالم والتي سيستمر معها التغيير لخدمة أهداف التقييس واتساع أنشطته بشكل مستمر.

 

* أخصائي مواصفات المترولوجيا، باحثة ومتخصصة في المترولوجيا الإشعاعية وكفاءة وجودة المختبرات والمراكز الإشعاعية.

المراجع:

  • كتاب التقييس الحديث للدكتور خالد بن يوسف الخلف – المدير العام الأسبق للهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، وهيئة المواصفات والمقاييس لدول مجلس التعاون.
  • المواقع الإلكترونية لبعض المنظمات الدولية والإقليمية والوطنية مثل المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين، وهيئة التقييس لدول مجلس التعاون (ISO,IEC,OIML,AIDMO,GSO,SASO,YSMO,COSQC,EOS and IMANOR)
Comments (0)
Add Comment