التقييس في التعليم.. الواقع والمأمول والنتائج

وطن بعقلية الجودة

0 200
اعلان المتجر
تزداد التوقعات الكبيرة لسوق العمل من مخرجات الجودة والتميز باعتبارهما أداتان استراتيجيتان مهمتان تساعدان على بناء أنظمة الجودة وتعزيز الكفاءة وتحقيق الاستدامة وعولمة التجارة وتعزيز الثقة في المنتجات والخدمات وتذليل العوائق والتحديات الفنية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية أمامها. ولهذا، ينبغي أن تصبح ثقافة الجودة الحس العام لدى المؤسسات، والأفراد، وتنعكس واقعياً في العمليات، والوظائف، وما يتبع ذلك من بناء للقدرات والكفاءات البشرية بالمعارف والمهارات في مجالات المواصفات والمطابقة والاعتماد والمقاييس باعتبارها الأنشطة المختلفة للتقييس أو البنية التحتية للجودة نظراً للدور الحيوي الذي تلعبه هذه الأنشطة في شتى المجالات الصناعية والتجارية والخدمية. وبحجم هذه التوقعات، يزداد الاهتمام الدولي بمجال التقييس في التعليم.
اقتصاد المعرفة:

يُنظر اليوم للطلبة بأنهم أصول اقتصادية استراتيجية مهمة لأي بلد، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد أساسـاً على التجارة والاستثمار، ولتحقيق هذا التوجه، يحتاج طلبة الجامعات والمؤسسات التعليمية المختلفة- باعتبارهم المديرون ورواد الأعمال المصنعين والمصدرين والمستوردين ومديري ومطوري المواصفات في المستقبل، وقبل ذلك كلـه (مستهلـكين)-  إلى تزويدهم بالمعـارف والمهـارات والخبـرات المطلوبة وأفضل الممارسات الدولية في مجال التقييس، قبل تخرجهم، وجرت العـادة أن يكون التدريب حول هذه الموضوعات لاحقاً على رأس العمل؛ وهذا بدوره يفتح أسواق العمل لهم بعد تخرجهم (قيمة مضافة للجامعات)، ويشجعهم على المشاركة في التقييس في إعداد وتبني المواصفات القياسية الدولية والحلول الصديقة للمجتمع والبيئة، والقيام بالبحوث والدراسات المتخصصة وتوفير قاعدة بيانات تساعـد الجهات المختصة على تبني ونشر هـذه المعلومات وتوظفيها في صناعة واتخاذ القرارات ذات العلاقة.

الفجوة.. تصنع الحاجة:

ومع الأهمية الكبـيرة للتقييس في حياتنـا، ومـع التقـدم التقني والصناعي الذي يشهده العالم اليوم، تتسع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق من الأيـادي العاملة، وتزداد أرقـام البطالة لخريجي الجامعات والمعاهد، وعليه، أخذت هيئة التقـييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على عاتقها مسؤولية كبيرة لردم هذه الفجوة من خلال تبني مبادرات وأنشطة في خطتـها الاستراتيجية للفترة  (2016-2020)، وقد دشنت الهيئة أولى هذه المبادرات بإطلاق المنتدى الخليجي الأول للتقييس في التعليم (الدوحة، ديسمبر 2015م) برعاية كريمة من سعادة وزير البيئة وبحضور معالي وزير التعليم والتعليم العالي الأمين العام لمجلس التعليم الأعلى بدولة قطر وبمشاركة أكثر من عشرة خبراء من مختلف أنحاء العالم وعدد كبير من المهتمين والمختصين في أجهزة التقييس ووزارات التربية والتعليم والجامعات ومراكز البحوث في الدول الأعضاء، وخرج هذا المنتدى بالعديد من التوصيات الهامة التي أقرها المجلس الفني لهيئة التقييس في اجتماعه السابع والثلاثين (الرياض، 23 ديسمبر 2015م) ووافق على تنفيذها بدءاً مـن يناير 2016م.

كيف نبدأ استراتيجياً!

لنشر وتبني مفاهيم التقييس في مدارسنا وجامعاتنا، لابد من تطوير خطة عمل ذات أولوية وطنية وخليجية بمشاريع وبمبادرات تعمل على المساهمة الفاعلة في التوعية بالتقييس وتطوير الآليات والأدوات التي تضمن تنفيذ وتحقيق الغايات والأهداف المنشودة وقياس الأثر، بتنسيق وتكامل فاعل، وقيادة برؤية مستقبلية، واستراتيجية بمعالم وغايات واضحة؛ ومن خلال مجموعـة عمل على مستوى الدول الأعضاء تمثل فيها جميع الأطراف كأجهـزة التقييس الوطنية، والقطاع الصناعي، والجهات الحكومية المعنية ووزارات التربية والتعليم والجامعات ومراكـز البحـوث والتطوير، بهدف العمل على تطبيق هذه الاستراتيجية وإعداد خطة العمل.

وقد نشرت المنظمة الدولية للتقييسISO دليلاً لتعليم التقييس أكدت فيه أهمية تضمين التقييس في التعليم، واستعرضت أفضل الممارسات الدولية، والمقترحات والتوصـيات التي تعزز التعاون بين (الآيزو) وأعضائها في هذا المجال.

الآليات الأدوات:

لا بد من وضع آليات وتصميم أدوات تضمن نشر التوعيـة بالتقييس في التعليم وتحقق الأثر المطلوب وتعزز العلاقة مع الجهات ذات العلاقة لتبني هذه المفاهيم والمشاركة الفنية في مختلف الأنشطة، ويمكننا أن نقترح بعضاً منها:

– دراسة تجارب الدول الرائدة في إدخال مفاهيم التقييس في التعليم والاستفادة منها.

– تشجيع الجهات ذات العلاقة على المشاركة الفاعلـة في اللجان الفنية المختصة على المستوى الخليجي والوطني.

– تصميم وتنفيذ الأيام الأكاديمـية حول التقييس والحمـلات التوعوية، والنـدوات التوعـوية، وورش العمل المتخصصة، وطاولات الحـوار المستديرة، والمؤتمرات والمنتديات، والمطبوعات والكتيبات.

– تصميم مواد تعليمية بلغة بسيطة مقـروءة ومسموعة ومرئيـة عن التقيـيس (المواصفات، المطابقـة، الاعتماد، والمقاييس).

– إعـداد برنامج لتعليم المعلمين في مجال التقييس.

– تصميم مناهج وبرامج دراسية في مجال التقييس من المراحل الأولية حتى التعليم العالي، بما يخدم سوق العمل ويوفر الكفاءات المهنية المتخصصة.

– تبني كرسي التقييس في الجامعات، وتضمين التقييس في بحوث ومشاريع تخرج الطلبة.

– تعزيـز العلاقة مع وسائل الإعلام وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي بما يسـاهم في التوعوية بالتقييس لأكبر شريحة ممكنة.

جولة حول العالم لاستثمار الجهود:

ولكي لا نعيد اختراع العجلة، نسرد هنا بعض التجارب- على سبيل المثال لا الحصر- التي يمكن الاسترشاد بها:

كوريا الجنوبية:

أدرجـت المواصفـات في مناهجها الدراسية الثانوية في عموم مدارسها، وتبنـت العديد من الوسائل التي ساعدتها على نشر مفاهيم التقييس والتوعيـة بـه، ومن أهمها تنظيم أولمبياد المواصفات، يحصل الفائزون فيه على جائزة وزير التجارة الكوري، ويمنح المشاركون فيه أولوية وفرص قبول أكثر في الجامعات. كما طورت برنامجـاً لإعداد خبراء فنيين في مجال المواصفات والمطابقة بمستوى أساسي ومتقدم معتمد بشهادة مهنية يساعد على الاعتراف بهذه الكفاءات أو الخبرات ويفتح الفرص أمامها في سوق العمل.

سنغافورة:

طـورت (SPRING) برنامجاً لنشر التقييس في التعلـيم من سن 7 سنوات حتى التعليم العالي، وركزت أيضـاً على المشروعـات المتوسطة والصغيرة، وتأهيل مجموعة من المهنيين الشباب والباحثين بالمعارف والمهـارات وأفضل الممارسات في مجال المواصفات والمطابقة، من خلال المناهج الدراسية والرحلات التعليمية والمهرجانات والمنافسات والمسابقـات والجوائز والمحادثات العامـة والرسوم المتحركة ومقاطع اليوتيـوب. كما شجعت الشركاء في التعليم على المشاركة في هذه الجهود؛ حيث عملت مع (سنغافورة للفنون التطبيقية) و(وزارة التعليم) و(جامعة التميز (UniSIM) و(TP) و (SAC) على تطوير مناهج وبرامج تعليمية وتدريبية في مجالات الحوكمة والاستدامـة والمسؤولية المجتمعية وإدارة الجـودة والبيئة والمختبرات الكيميائية والغذائية والدوائية.

معهد المواصفات الأندونيسي (BSN):

تعد التجربة الأندونيسية مرجعاً للعديد من دول العالم والمختصين بشأن التقييس في التعليم. وتشمل تجربتها التعليم العالي والثانوي والابتدائي، وتتبنى العديد من الأدوات والآليات في هذا الصدد، منها توقيع مذكرات التعاون مع الجامعات والمحاضرات والنـدوات والملصقات وورش العمل والأنشطة التنافسية والجوائز الجامعيـة والألعاب والزيـارات الطلابيـة للقطاعـات الصناعية وتدريب المدربين والمختصين في مجالات التدقيق والتوثيق والفحص والمقاييس والشهادات.

الجمعية الأمريكية للاختبار والمواد (ASTM):

تقدم الجمعية منح دراسية للراغبين في اكتساب وتعلم المواصفات الفنية في مجالات محـددة. كما تقوم الجمعية بتنظيم مخيـم صيفي لطلبة الجامعات يتضمن العديد من الأنشطة والمحاضرات في مجال التقييس، وتمنح الجمعية عضوية مجانية لطلبة الجامعات -خصوصاً طلبة الهندسة- تتيح لهم الحصول على المواصـفات والاطلاع على البحوث والإصـدارات والمراجع المتوفـرة في مكتبتها الإلكترونية، وتعمل على توفير مقاطع توعوية عن التقييس، يمكن للطلبة الراغبين والمختصـين تحميلها من موقعها الإلكتروني.

اللجنة الدولية الكهروتقنية (IEC):

قدمت اللجنة الدولية الكهروتقنية برنامجاً مهنياً للشباب من المهندسين والفنيـين والمدراء لرسم مستقبل التقيـيس الدولي وتقييم المطابقة في المجال الكهروتقني ومنحهم معرفة أكثر حول نشاطات التقييس والمطابقة ومهـارات العصف الذهني والتعرف على أعضـاء اللجنة من دول العالم المختلفة؛ بهدف تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأكاديميـة والصناعية والتشريعية والمختصـين في أجهزة التقييس الوطنية.

مؤسسة المواصفات الدانماركية (DSF): بيت المواصفات

قامت هذه المؤسسة بإطلاق برنامج عن التقييس في التعليم بالتعاون مع الجامعات والمدارس والمعاهد الفنية ويتم تدريس منهج التقييس لطلبة الهندسة، والطب، وإدارة الأعمال في العديد من مؤسسات التعليم العالي في الدانمارك، والتوعية به من خلال استضافة الخبـراء والمحاضرين في مجال التقييس، وتوفير المواد التعليمة السمعية والبصرية وتنفيذ البرامج التدريبية والمؤتمرات وتطوير أوراق العمل وتصميم الكتب وتوفير المصادر التفاعلية المختلفة المتوفرة للطلاب إلكترونياً، وهناك مقرراً دراسياً باسم (التقييس 101)، ومقرر للمواصفات الكهروتقنية، بما يساعد الطلبة على فهم آلية تطوير وإصدار المواصفات، ويمكنهم من المساعدة في تحقيق القيمة المضافة للدنمارك في هذا المجال.

معهد المواصفات التركي (TSE):

يُصـدر المعهد مجلة ربع سنوية للأطفال (رائد) (ÖNCÜ) تنشر ثقافة التقييس للأطفال بأسلوب بسيط وممتـع من خلال الرسوم الكرتونية فقط، كما أنشأ المعهد مسرح لعب للأطفـال (الجودة أولاً ÖNCE KALİTE)، وكذلك أعد المعهـد بعـض المقررات الاختيارية لطلاب المدرسـة الثانوية الفنية، ودبلـوم مهني في مجال الجودة وتقييم المطابقة لطلبة البكالوريوس في جامعـة (Hacettepe)، كما ينفـذ العديد من البرامج التدريبية للجهات المهتمة لتأكيد أهمية توحيد وضمان تطبيق المواصفات على وجه الخصوص، وينشر العديد من المقالات العلمية والملصقات ذات العلاقة بالتقييس.

جامعة جنيف سويسرا

(The UNIGE-ISO Master):

تقـدم جامعة جنيف برنامجاً للماجستير لمدة عامين في مجال التقييس بخمسة كورسات وبحث تخرج وفترة تدريب في أي من المؤسسات ذات العلاقة بعد إكمال السنة الأولى من الدراسة، وهو برنامج مفتوح لكافة المتقدمين من كافة أنحاء العالم وبما لا يتجاوز عشرين طالب، ويركز على الاستدامة في ثلاث تخصصات: العلوم الاجتماعية، الإدارة، الاقتصاد. وهو برنامج مشترك بين الجامعة والمنظمة الدولية للتقييس (الآيزو).

جامعة جيليانج بالصين (Jiliang):

هناك أكثر من 30 جامعة في الصين تقدم برنامـج التقييس في التعليم، ولكن تعتبر جامعة جيليانج الرائدة والسباقة في هذا المجال، وقد حاصلت على جائزة المنظمة الدولية للتقييس (الآيزو) لتصميمها برنامجاً متكاملاً عن التقييس في مجال إدارة الجودة والمترولوجيا وتقييم المطابقة، كما أن لديها برنامجاً للماجستير يركز على التقييس وعلم الجودة. كما صممت الجامعة برنامج أونلاين عن التقييس ويعتبر هذا البرنامج منصة تربط بين الاتحاد الأوروبي وجنوب وجنوب- شرق آسيا والصين بهدف تعزيز التعاون بين هذه الأطراف في مجال التعليم العالي. كما تقدم الجامعة برنامجاً لتأهيل مدققين داخليين في نظام إدارة الجودة ISO 9001، واستطاع حوالي 95% من خريجي هذا البرنامج الحصول على وظائف في العديد من الجهات المهمة ذات العلاقة بالتقييس. وقد كتبت ونشرت العديد من الكتب حول المواصفات تستخدم حالياً كمرجع في أكثر من 20 جامعة في الصين.

جامعة بلجراد:

أقدم وأكبر جامعة في صربيا، تأسست عام 1808م، توفر هذه الجامعة من خلال كلية العلوم التنظيمية – قسم إدارة الجودة والتقييس- مقررات دراسية اختيارية لطلبة البكالوريوس والماجستير في مجالات الجودة وسلامة الغذاء والاعتماد وشهادات المطابقة وأمن وسلامة المعلومات وكفاءة الطاقة والمسؤولية المجتمعية، كما يمكن أن يلتحق بهذا البرنامج الراغبين من القطاع الصناعي لتعـريفهم بأنشطة التقييس المختلفـة بما يعزز كفاءة القطاع الصناعي ويشجع المختصين فيه على مشاركتهم الفاعلة في إعداد وتبني المواصفات القياسية.

أخيراً: ساعة تقييس! هي نقطة البداية:

لو خصصت الجامعات والمؤسسات التعليمية (ساعة تقييس) بهدف تشجيع الطلبة والأساتذة على المشاركة في عملية التقييس وتعريفهم بالمواصفات وطرق إعدادها وتطويرها وتبنـيها وتحديثها ودور المطابقـة والاعتماد والمقاييس في حياتنا اليومية، من خلال استضافة (سفراء التقييـس) أو (المختصين) من أجهزة التقييس الوطنية أو الجهات ذات العلاقة لحققنا انجازاً كبيراً، فالمسافة الزمنية للتقييس في التعليم تبداً بساعة واحدة!

* مركز التقييس الخليجي للتدريب

اعلان المتجر
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.