التقييس العربي الموحد.. الركيزة الاستراتيجية لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي

د. داليا البيلي

0 2
اعلان المتجر

في كل عام، يشكل اليوم العربي للتقييس في الخامس والعشرين من مارس محطة مهمة للتأمل في واقع التقييس العربي، واستشراف مستقبله في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة.

وجاء شعار هذا العام “مواصفات موحدة لاقتصاد عربي متكامل” ليعكس طموحًا مشروعًا طال انتظاره، يتمثل في بناء منظومة عربية متجانسة قادرة على دعم التكامل الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية إقليميًا وعالميًا.

لم يعد التقييس مجرد أداة فنية لتنظيم المنتجات والخدمات، بل أصبح ركيزة استراتيجية تمس صميم التنمية الاقتصادية.

فالمواصفات الموحدة تسهم في تقليل العوائق الفنية أمام التجارة، وتدعم انسيابية السلع والخدمات بين الدول، كما تعزز ثقة المستهلك وتدعم الابتكار الصناعي.

ومن هنا، فإن أي حديث عن تكامل اقتصادي عربي حقيقي لا يمكن أن يتحقق دون بنية تحتية قوية للتقييس تقوم على التوحيد والتنسيق الفعال.

وفي هذا السياق، تبرز التجربة الخليجية كنموذج عملي يمكن الاستفادة منه على المستوى العربي الأوسع. فقد نجح مجلس التعاون لدول الخليج العربية، من خلال هيئة التقييس الخليجية (GSO)، في بناء منظومة متقدمة للمواصفات القياسية الموحدة، أسهمت بشكل ملموس في تسهيل التبادل التجاري بين دول المجلس، وتقليل الازدواجية في الإجراءات الفنية، ورفع مستوى جودة المنتجات في الأسواق الخليجية.

إن ما يميز التجربة الخليجية لا يقتصر على توحيد المواصفات القياسية فحسب، بل يمتد إلى تبني نهج تكاملي يشمل أنظمة التقييم والمطابقة، والاعتراف المتبادل، والتنسيق المؤسسي الفعال.

هذا التكامل لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إرادة سياسية واضحة، واستثمار مستمر في بناء القدرات الفنية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن تعميم هذه التجربة على المستوى العربي يتطلب تبني رؤية استراتيجية موحدة، تقوم على عدة محاور رئيسية.

أولها: مواءمة المواصفات القياسية العربية مع المعايير الدولية بما يضمن الاعتراف العالمي ويعزز فرص النفاذ إلى الأسواق.

وثانيها: تفعيل دور المنظمات العربية المعنية بالتقييس لتكون منصة تنسيقية حقيقية وليست فقط استشارية.

وثالثها: الاستثمار في بناء الكفاءات الفنية العربية القادرة على قيادة هذا التحول.

كما أن توحيد المواصفات القياسية العربية يجب ألا يُنظر إليه كهدف فني بحت، بل كأداة لتحقيق التنمية المستدامة، ودعم سلاسل الإمداد الإقليمية، وتعزيز الأمن الاقتصادي العربي.

وفي ظل التحديات العالمية الحالية، من تغيرات في سلاسل التوريد إلى تصاعد المتطلبات الفنية، يصبح التقييس العربي الموحد ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.

إن اليوم العربي للتقييس يمثل فرصة لتجديد الالتزام العربي المشترك تجاه هذا المسار، ولتحويل الشعارات إلى خطط تنفيذية قابلة للقياس والتطبيق. فالمستقبل الاقتصادي العربي يتوقف إلى حد كبير على قدرتنا على توحيد أدواتنا، وفي مقدمتها المواصفات القياسية، بما يحقق التكامل المنشود ويعزز مكانة الاقتصاد العربي على الخارطة العالمية.

* دكتوراه في إدارة الجودة، ومقيم فني معتمدةISO 17025  في مركز الاعتماد الخليجي، ومن سفراء التقييس الخليجي.

اعلان المتجر
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.