مجلة هيئة التقييس
مجلة دورية متخصصة تصدر عن هيئة التقييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية

الاستدامة في مواصفات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية

راشد عيسى *

0 111

لا يخفى على الجميع التغير السريع في أنماط الاستهلاك وتناميها بشكل كبير خلال العقود الأخيرة نتيجةً للتغيرات الثقافية والاجتماعية التي أفرزتها الثورة الصناعة في أوروبا، والتي كان لها الدور الأساسي في تنامي ظاهرة الإنتاج الصناعي اللامسؤول ونشوء الثقافة الاستهلاكية، فتغيرنا نحن البشر بشكل تدريجي من “مستخدمين” إلى “مستهلكين”، ففي السابق كان السلوك السائد لدينا جميعاً هو تصليح الأجهزة عند حدوث أي خلل أو عطب فيها، أما اليوم غدت مراكز صيانة الأجهزة أماكن مهجورة، فعند حدوث أي عطب أو مشكلة في أجهزتنا يتبادر إلى أذهاننا شراء أجهزة أخرى بديلة، دون التفكير في إعادة استخدام المنتج المعطوب لدينا أو  حتى تكبد أي عناء أو مشقة في تصليحه، وهنا أخص بالحديث المنتجات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية تحديداً.

ويمكننا القول أن الإنتاج الصناعي في الوقت الراهن كبير وضخم ويغطي أكثر من حاجة السوق، وبسبب الإنتاج المتزايد والكميات الوفيرة تفاقمت ظاهرة الاستهلاك، فمن الثابت لدى المختصين في علم الاقتصاد أن سعر المنتج مرهون بالعرض والطلب، وعندما تزيد كفة العرض على كفة الطلب، فإن سعر المعروض سينخفض، وهذا ما هو شائع في قطاع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية حيث أنها دائماً تقع تحت ظاهرة الانكماش المالي “Deflation” سنة بعد سنة،  ويمكنك عزيزي القارئ التأكد من ذلك بنفسك، فتحقق من أسعار بعض الأجهزة الكهربائية والإلكترونية كالتلفاز مثلاً قبل عشر أو عشرين سنة وقارنها بسعر اليوم، فسعر اليوم ستجده أكثر انخفاضاً، ناهيك عن أن التلفاز الحديث يأتي بمواصفات وخصائص فنية حديثة لا يمكن مقارنته مع أجهزة التلفاز القديمة، فأعداد المصانع والعلامات التجارية في ازدياد، ويُعزى تفاقم الإنتاج الصناعي لأسباب عديدة منها: توافر تقنيات التصنيع لدى شريحة أكبر من المصنعين، وتطور تقنيات التصنيع وأتمتة خطوط الإنتاج.

وأود عزيزي القارئ ضرب مثال بسيط جداً يوضح خطورة هذه الظاهرة، فعندما ينقطع سلك شاحن الهاتف لديك، تتجه بشكل مباشر إلى استبداله وشراء سلك جديد، على الرغم من أن صيانة هذا السلك جداً سهلة وبالإمكان القيام بها بكل يسر، ولكن لن تجد أي مركز صيانة يقوم بذلك من جانب ومن جانب آخر فأسعار الأسلاك الجديدة جداً في المتناول، وستجدها متوافرة بأشكال وألوان ومقاسات مختلفة ومتفرقة، وهنا تدور علامات الاستفهام العريضة حول حجم النفايات الإلكترونية التي تصل إلى بيئتنا من غير إعادة تدوير؟ وماهي مكوناتها؟ وما هو مدى تأثيرها على البيئة سواء على المدى القريب؟ أو المدى البعيد؟

وما يزيد الطين بِلَّة، هو تولد ظاهرة “غير صحية” في شريحة كبيرة من المنتجات تتركز في انعدام الاستدامة بسبب عدم إمكانية “إعادة استخدام” هذه الأجهزة نتيجةً لعدم اهتمام بعض الجهات المنتجة بعملية صيانة الأجهزة الكهربائية، فبعض المصانع لا تقوم بتصنيع قطع الغيار لمنتجاتها، وبعضها الآخر لا يلتزم بإنتاج قطع الغيار إلا لمدة سنة أو سنتين من تصنيع المنتج، ناهيك أن بعض المنتجات تأتي بشكل مدمج ومعقد جداً تجعل من عملية الصيانة أمر مستحيلاً.

دول العالم استشعرت مخاطر ظاهرة “الاستهلاك والإنتاج اللامسؤولان” على شتى مناحي الحياة في كوكبنا الأزرق، فالحل هو بتعزيز الاستدامة سواء على نطاق التصنيع أو على نطاق الاستهلاك، حيث تعرف الاستدامة بأنها قدرة البشر على المحافظة على نوعية الحياة وجودتها، ولمعالجة هذه الظاهرة وظواهر أخرى لابد أن نعزز مفاهيم الاستدامة في مختلف بقاع الكوكب الأزرق، ولذلك توافقت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015م على 17 هدف طموح لتعزيز الاستدامة وجودة الحياة وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار في مناحي الحياة العديدة، عرفت هذه الأهداف بأهداف التنمية المستدامة (SDGs)، وتدعم الأمم المتحدة ببرنامجها الإنمائي بلوغ دول العالم مقاصد أهداف التنمية المستدامة بحلول العام 2030.

وخصص برنامج الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة*(1) الهدف رقم (12) لمعالجة ظاهرة “الاستهلاك والإنتاج اللامسؤولان” حيث تتجلى مقاصد هذا الهدف في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة التي تقتضي منا أن نخفض بصمتنا الإيكولوجية على نحو عاجل، عن طريق تغيير الطرق التي ننتج بها السلع والموارد ونستهلكها، ويعتمد تحقيق هدف التنمية المستدامة هذا على إدارتنا الفعالة للموارد الطبيعية المشتركة، والطريقة التي نتخلص بها من النفايات السامة والملوثات. كما يعتمد بقدر مماثل من الأهمية على تشجيع الصناعات والأعمال التجارية والمستهلكين على تقليل النفايات وإعادة تدويرها، وكذلك على دعم البلدان النامية في التحرك نحو أنماط استهلاك أكثر استدامة بحلول عام 2030.

وإليك عزيزي القارئ، أرصد أبرز التوجهات والتشريعات والمواصفات الحديثة الموجهة لتعزيز الاستدامة في الأجهزة الكهربائية والإلكترونية:

  1. إلزامية صيانة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

يوجد توجه أوروبي في إطار تحسين التصميم الإيكولوجي للأجهزة الكهربائية والإلكترونية، حيث ستحمل النسخ الحديثة من مواصفات كفاءة الطاقة للمعدات الكهربائية مثل: أجهزة التلفزيون والإضاءة والثلاجات والغسالات وغسالات الصحون على اشتراطات جديدة متعلقة بديمومة المنتج وتحسين عمره الافتراضي، وتلزم بتوفير قطع الغيار لمدة 10 سنوات، كما ويجب على المصنعين توفير قطع الغيار لمراكز الصيانة لمدة 10 سنوات، على أن يتم التغيير أو التصليح في المراكز المختلفة (ليست التابعة للوكيل فقط) دون الإضرار بالمنتج عند استخدام أدوات التصليح المعتادة. أي أن يصنع المنتج بطريقة تجعل منه منتج قابل للصيانة، وستدخل اشتراطات الصيانة هذه حيز التنفيذ وبشكل تدريجي اعتباراً من أبريل 2021 في دول الاتحاد الأوروبي.

  1. تدوير نفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

تتكون الأجهزة الكهربائية والإلكترونية من مواد متنوعة ومختلفة منها ماهي سامة ومنها ما قد تكون قابلة إلى الانفجار عندما تختلط مع مواد أخرى قد تؤثر على صحة وسلامة الإنسان والبيئة، وكذلك تحتوي بعض الأجهزة الكهربائية والإلكترونية على معادن قابلة لإعادة التدوير كالحديد أو الألمينيوم أو النحاس، و قد تحتوي على مواد أولية أصبحت اليوم نادرة كالذهب أو الليثيوم أو الغرافيت، ففصل وإعادة تدوير هذه المنتجات أصبح ضرورة لا ترف، وفي دول الاتحاد الأوروبي يوجد تشريع ينظم هذه العملية تحت اسم:

Waste Electrical and Electronic Equipment (WEEE) Directive (2012/19/EU)

 

  1. تقييد المواد الخطرة في الأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

بسبب وصول نسبة من نفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية التي قد تحتوي على مواد سامة إلى البيئة البرية أو البحرية، تضع بعض الدول قيود على نسب المواد الخطرة المقيدة في الأجهزة الكهربائية والإلكترونية كالزئبق والرصاص وغيرها من المواد السامة، وفي دول الاتحاد الأوروبي يوجد تشريع ينظم هذه العملية تحت اسم:

The Restriction of the Use of Certain Hazardous Substances in Electrical and Electronic Equipment (RoHS recast) Directive )2011/65/EU(

 

  1. تعزيز كفاءة استهلاك الأجهزة الكهربائية والإلكترونية للموارد.

تطبق حالياً دول كثيرة في أنحاء العالم نظم واشتراطات لتحسين استهلاك الأجهزة الكهربائية للطاقة الكهربائية، وبسبب المنافسة الشديدة بين منتجي الأجهزة الكهربائية سنشهد إطلاق تقنيات جديدة تقلل من استهلاك الطاقة وبذلك ستشهد اشتراطات كفاءة الطاقة تحولات في الحدود الدنيا لاستهلاك الطاقة المسموح بها.

  1. التوجه لمصادر الطاقة النظيفة في الأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

لربما نشهد بعض اللوائح والنظم التي تعزز من استخدام مصادر الطاقة البديلة في تشغيل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية كاستخدام الطاقة الشمسية في تسخين خزانات المياه أو استخدامها كذلك في تبريد خزانات المياه بشكل إلزامي، فهي متوفرة حالياً ولكن لا توجد تشريعات ملزمة، ولكن من المتوقع أن نشهد خلال السنوات القليلة القادمة إلزامية استخدام الطاقات البديلة حتى في مضخات المياه ولربما في تشغيل أجهزة الإضاءة والإنارة الخارجية.

وفي النهاية عزيزي القارئ من المؤكد أن يشهد عقدنا هذا والعقد الذي يليه تغيرات كبيرة لتحقيق درجات عالية من الاستدامة فهذا الاستهلاك المفرط سيدمر النظام البيئي على كوكب الأرض، ولمعالجة ذلك ستتغير لدينا بعض المفاهيم والقناعات.

العقد الجديد يخبئ لنا الكثير، فلربما نشهد تصميم جديد للهواتف التي تعمل ببطاريات الليثيوم بحيث تكون البطارية فيها قابلة للإزالة أو التبديل وقد بدأت كثير من الشركات تطبق هذا التصميم، ولربما نتجه إلى الصيانة بشكل أكثر مما هو عليه حالياً! ومن الثابت أننا سنتوجه لإعادة الاستخدام وسنقلل من عاداتنا الاستهلاكية.

* مشرف تطبيق المواصفات بوزارة الصناعة والتجارة والسياحة – مملكة البحرين.

أهم المصادر:

  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الدول العربية *(1)
  • البوابة الأوربية للقوانين والتشريعات (Eur-lex)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.